الاثنين، 26 نوفمبر، 2012

التثبت يشترى بناقة (Hubsiimo hal baa la siistaa)





الكثير من البشر مبتلى بآفة التسرع في كل شي , التسرع في القول في الظن في ردة الفعل في الحكم على الآخرين ...إلخ. و الكثيرون كذلك يندمون بعد حين على تسرعهم أشد الندم , فمن الصعوبة بمكان إعادة المياه إلى مجاريها و الأمور إلى نصابها.و لذلك قال العرب قديما الوقاية خير من العلاج فالوقاية دائما تعمل بنسبة 100% أما العلاج فقد يتسبب في الشفاء من السقم و قد يخففه أو قد يزيده سوء و ربما لا ينفع على الإطلاق. و قد أرشدنا ديننا الحنيف إلى التبين و التثبت , قال تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)).


و في معرض هذا الحديث أتذكر المثل الصومالي (( التثبت يشترى بناقة)) و خلف هذا المثل هناك قصة قديمة حيث يحكى أنه كان هناك رجل حكيم كان الناس يسألونه عن أمورهم لينتفعوا بحكمته التي اشتهر بها. و ذات يوم أتاه رجل من البادية و قال للحكيم : " خذ ناقة و أعطني كلمة أو حكمة عوضا عنها". فجاوبه الحكيم : " إذا سألك أحد عن أي أرض الله أخير؟ , فجاوبه : أينما يقدر الله لك و يختار ". فأعاد الرجل على الحكيم قولته السابقة: " خذ ناقة و أعطني حكمة" فقال له الحكيم :" لا تخن رجلا أمَنك ". و أعاد الرجل الكرة للمرة الثالثة طالبا حكمة أخرى, فقال له الحكيم :" لا تمرن بقوم يذكرون كلام الله و يتدارسونه إلا جلست معهم". و أعاد الرجل الكرة للمرة الرابعة , فرد عليه الحكيم:" قبل أن تقوم بعمل تفكر فيه أولا و تثبت" و من هذه الحكمة الأخيرة أتى المثل الشهير (( التثبت يشترى بناقة)).


بعدما سمع الرجل الحكم الأربعة أعطى الحكيم أربعة نياق جزاء ما وعده, و حينما عاد إلى أهله تم توبيخه على فعلته و لامه أهله لوماً شديداً. إذ كيف يقايض أربعة نياق بمجرد كلام سمعه من رجل وإن كان حكيماً, و حينما لم يسلم من التوبيخ و المطالبة الدائمة بإرجاع أو تعويض النياق الأربعة هاجر الرجل بعيدا و ترك أهله فقد قرر أن يبحث عن أرض أخرى و يهرب من توبيخ عشيرته المستمر له على فعلته و سخريتهم منه.

مشى الرجل مسافة طويلة و كانت أول قرية يصل إليها قرية لها بئر واحد تشرب منه و ترتوي, و قد رأى مجموعة من أهل القرية مجتمعين حول البئر في الصباح الباكر و كأنهم ينتظرون أحداً بينما كان الرجل منهكا و متعبا, و حينما رآه أهل القرية قالوا :" اليوم أتانا رجل ذو قوة و بأس شديد" و طلبوا منه أن ينزل إلى البئر و يسقى لهم و لماشيتهم و حينما استغرب من طلبهم أصروا على طلبهم و قالوا أنها عادة لابد أن يقوم بها الضيوف الجدد حسب عرفهم.


لم يشأ الرجل أن يخالف عرف القرية خاصة و أنه غريب و أحوج ما يكون إلى شربة ماء تروى عطشه, نزل الرجل إلى البئر و سقى لأهل القرية و ماشيتهم و حينما هم على الخروج و بينما هو في منتصف المسافة للصعود إذ بحية ضخمة تخرج له من جحر داخل البئر. فسألت الرجل و قالت له : " أي أرض الله أخير؟ ", فجاوبها الرجل كما علمه الحكيم " أينما يقدر الله لك و يختار". رجعت الحية الضخمة إلى جحرها و خرج الرجل من البئر وسط استغراب أهل القرية فقد كان أول رجل يخرج حيا من البئر و ينجو من براثن الحية الضخمة.


تجمهر حوله أهل القرية و سألوه كيف استطاع الخروج و الهروب من الحية فحكى لهم ما دار بينه و بينها من حديث. استعظم الناس الرجل و أخذوه إلى سلطان القرية ليحكي له قصته مع الحية , و بعد أن سمع السلطان قصته قربه إليه و عرض عليه أن يعمل في مزرعته و أن يصبح جزءاً من عائلته فقبل بذلك. و مع مرور الأيام أظهر الرجل قدراً كبيرا من الإجتهاد في العمل و الأمانة و الأخلاق الحسنة. مما دعى السلطان إلى الوثوق به و تكليفه بأعمال أكثر أهمية, و بينما الأمور على هذا الحال قرر السلطان ذات يوم أن يسافر فترك الرجل مكانه ليرعى المزرعة و يحافظ على بيته في غيابه.


خلال غياب السلطان طمعت امرأته في الضيف و حاولت إغوائه , لكنه رفض أن يسايرها فيما تريد و منعه من ذلك الحكمة التي اشترى بها ناقة " لا تخن رجلا أمَنك " . بعد مدة من الزمان عاد السلطان فاشتكت إليه امرأته و قالت أن ضيفهم حاول التحرش بها في غيابه, كتم السلطان غضبه و أمر مجموعة من جنوده بالذهاب خارج القرية و أمرهم بأن يشعلوا ناراً عظيمة و أن يرموا فيها أول شخص يأتيهم بعد مغيب الشمس. و حينما حان وقت المغيب أمر السلطان الضيف بأن يلحق بجنوده خارج القرية لمساعدتهم في مهمة طلبها منهم, اتجه الرجل خارج القرية للحاق بالجنود و بينما هو في منتصف الطريق سمع حلقة للذكر فقرر أن يجلس و يذكر الله معهم .


تأخر الرجل في حلقة الذكر و بينما هو في الحلقة يذكر الله مع الذاكرين, كان الفضول والترقب يشتعل داخل امرأة السلطان فرغبت بأن ترى مصير الرجل بعدما احترق بالنار. فذهبت إلى الجنود و حالما وصلت إليهم نفذوا أمر السلطان دون تردد و رموها في النار, و حينما أنهى الرجل الذكر اتجه للجنود و سألهم إن كانوا بحاجة إلى مساعدته, قالوا له: " شكرا لك لقد أنهينا مهمتنا ". و بعد مدة أراد السلطان أن يتأكد من مصير الرجل فذهب و وجد زوجته ماتت محروقة و ضيفه سليم معافى فطلب منه أن يحكي له القصة بتفاصيلها, فحكى له الرجل ما كان من أمر زوجته خلال غيابه. فقال السلطان : " قتلتها خيانتها".


عاش الرجل سنين طويلة مع السلطان حتى توفي و لم يترك زوجة أو ولد و كان السلطان قد كتب إليه كل ثروته و مزرعته و أصبح الرجل من الأثرياء. فقرر ذات يوم أن يعود إلى أهله و يرى كيف انتهت إليه أحوالهم, فقدم إلى ديار عشيرته آخر الليل و دخل إلى منزله و هو مظلم فأوقد النار و حينما أوقد النار رأى رجلا غريبا ينام على فراشه. فطار الشرر من عينيه و استل خنجره حتى يقتل هذا الرجل الغريب لكنه تمالك نفسه في آخر لحظة و أيقظ زوجته , و قال لها : " كيف حالكم؟ و كيف حال العيال؟ ". فزعت امرأته و قام الرجل الغريب من النوم. فسألها " و من يكون هذا الرجل؟" فقالت له " إنه أخي أتانا زائراً, و الليلة هطلت أمطار غزيرة لذلك نام الليلة داخل المنزل, و أنت كيف حالك ؟ هل ما زلت على قيد الحياة؟".

فكانت الحكمة الأخيرة التي اشتراها الرجل بناقة هي من أنقذته من أن يقتل نسيبه خطأ " قبل أن تقوم بعمل , تفكر فيه أولا و تثبت" أو كما اشتهرت هذه المقولة أو القصة لاحقا بالمثل الشعبي (( التثبت يشترى بناقة)).

السبت، 17 نوفمبر، 2012

النسر الذي أراد العيش بين الحمام


يا طير .. يا طاير على طراف الدني
لو فيك تحكي للحبايب .. شو بني
يا طير .... يا طير



لطالما حملت كما كبيرا من التقدير و الإعجاب بأمة الطيور, فإن لها قدراً كبيرا من الحرية في التنقل إلى أي أرض شاءت , بلا حدود أو جوازات أو حتى تعقيدات أصبحت تغلف طابع حياتنا المعاصر. فالطير يطير بجناحيه إلى الأرض التي تناسبه و توفر له المأكل و المشرب و فوق كل ذلك الحياة الكريمة, فلا تتقيد فصيلة من الطيور بقوانين تضعها لها فصيلة أخرى من الطيور. فلا نرى مطارات و لا حاجة إلى أخذ تأشيرات من السفارات.

تخيل أن يطلب النسر الأفريقي تأشيرة للعبور إلى أوربا عبر سفارة الحمام الأوربي في الصحراء الكبرى!. و أن يهبط في مطار جبال الألب لأخذ نزهة صيفية تبعده لأيام أو أسابيع عن صيف إفريقيا الحارق. تخيلوا أن النسر لم يتبع إجراءات أخذ التأشيرة و صمم على السفر دون إذن, فقد يصبح وقتها مهاجرا غير شرعي لا سمح الله.

حينها ستطارده شرطة الحمام الأوربي و تقبض عليه, لكنه على كل حال سيتجه إلى مكتب حقوق الطيور في أوربا لإعطاءه حق اللجوء بعد تدمير الإنسان لغابات إفريقيا و بعد نفوق غالبية الحيوانات البرية في أفريقيا. و ربما كان لهذا النسر ابن عم أخطأ الطريق و لجأ لجزيرة العرب ظنا منه أن حمام الحرم المكي سيكون أكثر عطفا عليه من حمام أوربا.

لكنه وضع في سجن الطيور الكبير في قلعة على شاطئ البحر الأحمر ثم تم ترحيله مجددا إلى الصحراء الكبرى حيث لا ماء و لا مرعى, و لم تنفعه توسلاته بالضمير الطيوري أو الرابط الأخوي و المصير المشترك. تخيلوا حياة الطيور معقدة كما هي حياة الإنسان!

كم ستكون الحياة كئيبة لأمة الطيور حينما تقص أجنحتها و تمنع حريتها للسفر و التحليق أنى شاءت إلى حيث الماء و الكلاء. فالأرض كل الأرض خلقت للجميع دون احتكار خلقت للإنسان و الطير و الحيوان .

و لا تحسبن الطيور سعيدة و هي في أقفاصها التي وضعها فيها البشر. قد تسمع صوتاً جميلا من هذه الطيور يطرب لها سمعك و لكن ما أدراك بمعنى هذه التغريدات بلغة الطيور؟! فما أجمل العودة إلى الجذور و العيش ببساطة بلا تعقيدات تماما كالطيور التي تحلق بعيداً في الأفق و تسبح الله أنى شاءت.





أمد يدي إلى تلك النجوم و أهوى أن أحلق كالغيوم

كنسر في السماء أطير حراً فلا أحيا على نكد الهموم