الأربعاء، 27 يونيو، 2012

مقدمة لرحلة ليبان إلى هرجيسا


المقدمة 

فلنبدأ الحكاية و الرواية بقصيدة عصماء من الزمن الغابر سقطت سهوا من كتب التاريخ حيث اعتبرها البعض المعلقة الثامنة و المكملة للمعلقات السبع بجمالها و حلاوتها , كلكم سمع عن قصيدة عنترة و غزله في عبلة و أشهر بيت يحكي قصة هذا الحب عندما يرى ثغرها الباسم لامعا على صليل السيوف و هو في أوج المعركة فقال عنترة :

ولقد ذكرتك والرمــــــاح نواهل
مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل الســــــيوف لأنهــا
لمعت كبـــــــارق ثغرك المتبسم

فهو ينتشى و تزداد قوته كلما تذكر حبيبته عبلة و أنا أنتشى و أزداد قوة كلما ذكرت حبيبتي هرجيسا و قصتي معاها فأود تقبيلها و أنا بعيد عنها فهل إلى ذالك من سبيل ؟ و لكن أرسل لها قبلاتي الحارة عبر الإنترنت و البريد الالكتروني و العادي و الحمام الزاجل إليك يا معشوقتي و حبيبتي هرجيسا يا من ألهمتيني الحب و تدفق لساني شعرا بفضل جمالك فما كنت شاعرا من قبل لكنك تلهمين الإنسان و تنطقين الأخرس إليك أهدى معلقتي (( معلقة ليبان )) بك تعلق قلبي فأنت عندي أجمل من ألف عبلة و من ألف ليلى فتقبليها مني يا ملهمتي و يا معشوقتي الأزلية يا مدينتي الجميلة (( مدينة السلام )).....

مدينة الســــــــــلام

قد كان يا ماكــان في قديــم الزمــــــــــــــــــان
في مدينة جميـــــــــلة بهــــية الألــــــــــــــوان 

قد كان هناك فتـــــى صغيــر يسمى ليبــــــان 
يلعب طوال النـــهار في أمــن و أمــــــــــــان 

كانت مدينة الســــــــــلام أجمل مكــــــــــــان
وكان ليبان في اللحوح و المقمد عاشق ولهان

الحياة كانت بسيطة و الكـــل في امتنـــــــان 
و السكــان يعبـدون الــواحـــــد الديـــــــــان 

وذات يـــوم فجــــأة اندلعـــــت النيــــــــران 
نيران الحقد والكراهية بإذكاء الشيطــــــــان

فحرقت النار ودمرت كـــــل بيت وميــــدان
وتسآل الصغير لما يقتل الإنسان آخاه الإنسان

هل القاتـــل يحصــد بالدم عـــزا وشــــــــآن
أم سيجني كـنـــــــوز اللؤلؤ و المرجــــــــان 

أم سـيرثــــــــــــــ ضـيعــــا و أطيـــــــــــان 
بل ربـمــــا ملك قيصـــر وســـــــاســــــــان 

نجا الصغير من المــأســـاة بفضل المنـــــان
وفي عقله الصغير ألف سؤال تركه حيــران

وانتقل ليبـــان للعيش في أرضـــــــــ القـرآن 
أرض تهفـــوا لهـــــا الأرواح قبـل الأبـــدان 

فعاش فيهــــا وترعرع بســكــينة و أمــــــان 
و تعلم فيهـــا العلــوم وفضائل الإحســــــــان

و بعد الغربــــــة بســــنوات و أزمـــــــــــان 
عاد ليبان مرة أخرى لأرض الأوطــــــــــان

في هـــذه المرة رأى مايذهبـــــــ الأحـــــزان
رأى الســــــلام والمحبة و شــــــاهد العمران

آه ما أجمل الأرض حين يعم السلام و الأمان
و ما أتعسها حين ينتشر الخوف والحرمــــان

و ما أقبـــح و أشـــنع الظــــلم و العــــــدوان
و ما أجـــمل العـدل والإنصاف شتان شتــان

رغم الصعـــــاب لكــن هنــــاك إيمـــــــــان 
و صبر ورضى بقسمــــــة الرحـــــــــــــمن 

أرضنا يـــاقـــوم من الأراضي الحســــــــان 
لجــمالهــا يخرس اللسـان و يعجزعن البيـان

لكنـنـــا بأيدينـــا و فعائلنا دمرنا هذا الكيــان 
و لذالك نعيش بين الأمم في ذلــــــ وهـــوان 

فلنرجع للحــق يــاقومنـــا فنحن إخــــــــوان 
و لنتصافــح و لتجنح للسلم هاتــان اليــــدان 

بالتفاهم و التراضي ندفن الرزية والخــذلان 
و بالتسامح و الغفران يصبح لنا أعظم شـأن

السلام و الأمـــــان مطلبــــ كل الأديـــــــان 
و المحبة و الأخوة تبقى دوما أقوى رهـــان

جئتكم ياقوم و فيـــــــ جعبتي أطنـــــــــــــان
من الحكـاياتـــــــ يعجب لها القاصي و الدان

فأرجـــوك يـــاهذا بحـــلق العينــــــــــــان 
لأنك عما قريبــــــــ ترى تصوير الفنــــان

و أعـرني اهتمامكــــ وسمـعك و الأذنـــان 
لتسمـع و تـعي قصصــــا من أرض اللبان

هيا بنا نبدأ الحكاية على بركة الرحــــــمن 
وياآل كرباش تحلقوا بوقار حول الجد ليبـان

لكـــــي يسمعكـم أعذبـــــــــــــ الألحــــــان 
و يطربكـم طربــــــــــــا ليس له سيـــــــان

--------------------------------------------------------------------------------------------


تمهيد



الجزء الأول .....شهر مايو 2008 م ....


الخميس 1 مايو 2008 م


ذهبت للعمرة في هذا اليوم لكي أودع بيت الله قبل السفر لأرض الوطن خرجت من الساعة 9 صباحا من جدة مع أحد التكاسي ووصلت حوالي الساعة العاشرة , أنهيت الطواف والسعي في مدة ساعة ونصف و لم تكن هناك زحمة و كان واضحا أعمال الصيانة و التوسعة للحرم المكي , طفت بالكعبة و تأملتها كالذي يرى الكعبة لأول مرة على الهواء مباشرة و دعوت الله أن يغفر لي و للمسلمين وأن يوفقني و ييسر لي أموري و دعوت للأهل و لبعض الإخوة الأعزاء الذين طلبوا الدعاء لهم على الخصوص و بعضهم من كرباش بالمناسبة ...




صليت الظهر والعصر في الحرم ثم اشتريت ماء زمزم و تمر المدينة و بعض الهدايا لكي أحملها معي للأهل و عدت أدراجي إلى مدينة جدة استعداد للسفر, و كنت قد نزلت على أحد أقاربي في جدة و كان عندهم ولد من أعماري تقريبا خرجت معه وقت العشاء و ذهبنا مطعم البيك المشهور في جدة و أكلت آخر وجبة بروستد دجاج في السعودية لأنني أعرف أنني لن أذوق طعم الدجاج طالما أنا في هرجيسا و للمعلومية أن أول من أحضر البروستد وباعه في السعودية ( جدة ) هو أحد أقاربي - الله يرحمه - المرحوم سعيد ميقاق سمتر مات هذه السنة جراء فشل كلوي كان المرحوم قد أحضر المكائن من بيروت في السبعينات سأتكلم عن المرحوم بشكل مفصل لاحقا ....








في الساعة الواحدة جهزت أغراضي استعداد للسفر وذهبت للمطار الدولي بجدة طبعا كنت قد حجزت التذكرة من مكتب طيران دالو في المنطقة الشرقية و كنت أول الواصلين للمطار من ركاب دالو التي من المفترض أن تقلع في الساعة الرابعة فجرا حسب ماهو مشار له في التذكرة و عندما جهزت أغراضي لكي توزن من قبل طيرن دالو و إذ بي أتفاجأ بقولهم لي : آسف اسمك ليس موجود في قائمة المسافرين !!!



قلت لهم كيف هذا الكلام و ما هذه التذكرة التي بيدي إذا ؟!!! , قالوا : إن المكتب في الشرقية و الرياض يتأخرون في بعض الأحيان في إرسال برقيات التذاكر عبر الفاكس و ليس أمامك سوى الإنتظار حتى ننتهى من باقى الركاب و بعدها نعود لك لحسن الحظ أنا من النوع اللى صبره طويل و إلا كنت انفجرت فيهم المهم سلمت أمري لله وانتظرت من الساعة الواحدة و النصف حتى الساعة الرابعة حتى انتهى جميع الركاب من تحميل عفشهم و أنا أراقب الجميع .....


فعلا استغربت من كمية العفش الذي يحمله الصوماليون و نوعيته فهم يحملون أثقالا و أحمالا كثيرة و ثقيلة حتى أن الميزان في بعض الأحيان لم يتحرك و طلب منهم تقسيم عفشهم الى أجزاء و تغليفها من جديد و رأيت رجلا يريد تحميل غسالة كبيرة للطائرة !!! رفض طلبه لكن أصر على تحميلها و لم أعلم ماذا انتهى عليه أمر ذاك الرجل , و كذال وجدت رجلا يريد تحميل سوبرماركت بأكمله ! أنواع الكراتين من خبز و عصيرات ( حمضيات و هولستن فراولة و غيرها ) و كما فهمت أن لديه بقالة في هرجيسا و يريد تحميل البضاعة .....


الميزان طبعا كان زائد و طلب منه دفع 900 ريال و لكنه ضل يساوم حتى وصل السعر إلى 700 ريال وجمع المال من أصحابه و بقي 20 ريال فقط فرفض دفعها و كادت تحدث مشكلة كبيرة بسبب هذه العشرين , أنا كل هذا الوقت أنتظر انتهائهم من الميزان حتى يأتي دوري و صلت لمرحلة من الطفش حتى هممت أن دفع ب ال 20 ريال من جيبي و ننتهى من هذه القضية , الحمدلله كل الركاب حملوا العفش و سمح لي بتحميل عفشي أخيرا في الساعة الرابعة فجرا و دخلت لصالة المغادرة إستعداد للسفر....


جلسنا بالداخل و عينا من الله خير و معروف أن دالو لا تقلع قبل السادسة صباحا رغم أن التذكرة تشير أن الإقلاع في الساعة الرابعة فجرا , صلينا الفجرو في الساعة الخامسة و النصف تمت المناداة على ركاب دالو , توجهنا للبوابة و كان هناك الكثير من الصوماليين قد قدموا للعمرة و الحج و يحملون أوراق من القنصلية الصومالية بجدة , بعض الركاب و اجهوا بعض المشاكل مع الجواز حيث تم التشكيك بصورهم حيث البعض لم يغير جوازه من 20 سنة ووجدت أحدهم صورته بالجواز بالأبيض و الأسود و الشعر آفرو و الآن هو رجل كبير بالعمريلبس نظارات و الصلعة واضحة ( البيدار )...


و في الطريق إلى الطائرةعلى متن الحافلة التابعة للمطار كان الصوماليون يتذمرون من هذا الجواز و البعض أخذ يتذكر الأيام الخوالي و كيف أن الشلن الواحد كان يكفي مصروف يوم كامل و الآخرون يقولون نحن لم نرى و لم نعش هذا الزمان الذي تتكلمون عنه و ترعرعنا في ظل الحروب و المشاكل ....




دخلنا الطائرة و كالعادة الطائرة صغيرة و ينبعث منها رائحة السمن الصومالي و لا يوجد نظام للجلوس اجلس في أي مكان يعجبك و كان نصف الطائرة الأمامي مملؤا بالشباب الصومالي المرحل من جدة و هم في طريقهم إلى مقديشو التي هربوا من جحيمها , و قد جلست بجانب شابين مرحلين و تجاذبنا أطراف الحديث أحدهم كان من مقديشو (حمر عدي) و الآخر من بيدوا (الجوهرة) و حكوا لي كيف تركوا أهلهم و خاطروا بأنفسهم للوصول و العمل في السعودية و كيف تم القبض عليهم من قبل الجوازات و هم يتعشون في مطعم بجدة بعد عناء يوم طويل من العمل ...



أعطيتهم قطعتي سنكرس و نحن نتحدث و قد واجهت صعوبة في فهم بعض الكلمات الجنوبية و لكننا تفاهمنا في الآخير , للمعلومية الطائرة لم تقلع من جدة إلا في تمام الساعة السابعة صبيحة يوم الجمعة و بعد مدة من الزمن و صلنا إلى مطار جيبوتي و كان من ضمن المرحلين شاب جيبوتي حاول النزول من الطائرة و لكنهم منعوه من دخول جيبوتي لأنه ليس لديه جواز جيبوتي يحمله فكل المرحلين أو معظمهم لا يمتلك أي جواز يثبت هويته ...


بعدما تم إركاب المسافرين إلى هرجيسا أقلعت الطائرة بإتجاه هرجيسا مدينتي الحبيبة ...


كيف كان الهبوط في مطارهرجيسا ؟ كيف كان شعوري و إحساسي تلك اللحظات و ماذا حدث بعدها و كيف بدأت حكاية ليبان و ال 150 يوم و يوم في هرجيسا كل هذا سوف نعرفه في اليوم الأول من الحكاية .....


ترقبونا و لا تذهبوا بعيدا ....


جدو ليبان


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق